ابن كثير
97
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
النار ، واللّه يقول يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها الآية ، فانتهرني أصحابه ، وكان أحلمهم ، فقال : دعوا الرجل إنما ذلك للكفار ، فقرأ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ حتى بلغ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ أما تقرأ القرآن ؟ قلت : بلى قد جمعته ، قال ، أليس اللّه يقول وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الإسراء : 79 ] فهو ذلك المقام ، فإن اللّه تعالى يحتبس أقواما بخطاياهم في النار ما شاء ، لا يكلمهم فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم ، قال : فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به . ثم قال ابن مردويه : حدثنا دعلج بن أحمد ، حدثنا عمرو بن حفص السدوسي ، حدثنا عاصم بن عليّ ، أخبرنا العباس بن الفضل ، حدثنا سعيد بن المهلب ، حدثني طلق بن حبيب قال : كنت من أشد الناس تكذيبا بالشفاعة حتى لقيت جابر بن عبد اللّه ، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها ، يذكر اللّه فيها خلود أهل النار ، فقال : يا طلق ، أتراك أقرأ لكتاب اللّه وأعلم بسنة رسول اللّه مني ؟ إن الذين قرأت هم أهلها هم المشركون ، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبا فعذبوا ، ثم أخرجوا منها ، ثم أهوى بيديه إلى أذنيه فقال : صمّتا إن لم أكن سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « يخرجون من النار بعد ما دخلوا » ونحن نقرأ كما قرأت . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 38 إلى 40 ] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 38 ) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 39 ) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 40 ) يقول تعالى حاكما وآمرا بقطع يد السارق والسارقة ، وروى الثوري عن جابر بن يزيد الجعفي ، عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن مسعود كان يقرؤها « والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما » وهذه قراءة شاذة ، وإن كان الحكم عند جميع العلماء موافقا لها لا بها ، بل هو مستفاد من دليل آخر ، وقد كان القطع معمولا به في الجاهلية ، فقرر في الإسلام ، وزيدت شروط أخر كما سنذكره إن شاء اللّه تعالى ، كما كانت القسامة والدية والقراض وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرع بتقريرها على ما كانت عليه وزيادات هي من تمام المصالح ويقال : إن أول من قطع الأيدي في الجاهلية قريش ، قطعوا رجلا يقال له : دويك مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة ، كان قد سرق كنز الكعبة ، ويقال : سرقه قوم فوضعوه عنده ، وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئا قطعت يده به ، سواء كان قليلا أو كثيرا لعموم هذه الآية وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما فلم يعتبروا نصابا ولا حرزا ، بل أخذوا بمجرد السرقة .